رحلة العسل الأسود من حقول صعيد مصر إلى موائد الأسرة: الذهب الأحمر في كل بيت

في قلب صعيد مصر، وتحديدًا محافظة قنا، تُعَد صناعة العسل الأسود إحدى أبرز الصناعات الغذائية التراثية. تمثل هذه الصناعة أكثر من مجرد منتج غذائي، فهي تجسد تاريخ الفلاح وعرق العمال، وتعبر عن الهوية الثقافية للمكان. تراكمت هذه الحكايات عبر الأجيال وما زالت صامدة أمام تحديات الزمن، محتفظة بعبقها الأصلي رغم عصر التطور والحداثة.

مع بداية شهر نوفمبر من كل عام، يدخل مزارعو قنا في موسم حصاد القصب، حيث تتم عملية الحصاد بدقة وعناية. يتم تحميل القصب على ظهور الجمال في مشهد يذكّر بالعصور القديمة، ويُنقل إلى العصّارات المنتشرة في القرى. يختار الفلاحون توجيه محصولهم إلى العصّارة لسببين أساسيين، الأول هو الحصول على مقابل مادي سريع لتلبية احتياجات زراعتهم، والثاني هو لتحرير الأرض استعدادًا للمحاصيل الشتوية مثل القمح والفول.

عند الوصول إلى العصّارة، تبدأ مرحلة الفرط والتشوين، حيث يرص المحصول في أكوام تعرف محليًا باسم «البوايك»، ويتم تحميلها على أكتاف العمال. لكن التطورات الحديثة جعلت استخدام الكباش العقرب أكثر شيوعًا لتوفير الجهد والتكاليف. يتم تنظيم عملية العصر بشكل يضمن العدالة بين المزارعين، مما يتيح لهم الحصول على حقوقهم دون تداخل أو ظلم.

تتواصل العملية بالانتقال إلى مرحلة العصر، حيث يحمل العمال أعواد القصب ويضعونها أمام العصّارة لاستخراج العصير. كانت هذه العملية تُدار في الماضي عبر الماشية، ولكن الآن يتم استخدامها مولدات كهربائية، مما يزيد من الإنتاج. ينقل العصير عبر أنابيب خاصة إلى أوعية كبيرة تُعرف باسم «الدن»، حيث تتم مرحلة العصر تحت إشراف صاحب القصب أو من ينوب عنه.

بعد مستجدات العصر، تبدأ عملية التحويل والطهي التي تُعتبر الأكثر دقة في إنتاج العسل الأسود. تُشعل النار تحت الأوعية وتُنقل كميات العصير بعناية من دن إلى آخر، مما يُعزز التأكد من نضج العسل. تتشابك رائحة العسل مع الأجواء المحيطة، وتنقل بواسطة الرياح لتمتد إلى مسافات كبيرة. بمجرد انتهاء عملية النضج، يُعبأ العسل ويُوزع إلى الأسواق المحلية، ليصبح حاضرًا على موائد المصريين المختلفة.

صناعة العسل الأسود ليست جزءًا من التراث فحسب، بل تمثل أيضًا مصدر رزق لآلاف الأسر، وتلعب دورًا مهمًا في تنشيط الاقتصاد الريفي. تواجه هذه الصناعة العديد من التحديات، مثل ارتفاع أسعار القصب والوقود. ورغم ذلك، تسعى الدولة لدعم هذه الصناعة، عبر تطوير العصّارات وتحسين معايير الجودة، بهدف تعزيز هذه الحرفة التاريخية، وتحويل العسل الأسود إلى منتج مصري متميز يُعرف في الأسواق العالمية.

تظل العصّارات في شمال محافظة قنا، وتحديدًا في مراكز أبو تشت وفرشوط ونجع حمادي، تمثل القلب النابض لصناعة العسل الأسود. ما يجعل من هذه المراكز بيئة خصبة للنمو والتطور، حيث يُنتج كل معصرة يوميًا ما بين 70 إلى 100 قنطار. ومع الإحصائيات المتزايدة، يبدو أن هذا التراث العريق سيستمر في مواجهة التحديات والتطور مع الزمن دون فقدان هويته الثقافية العميقة.

أحدث الأخبار

مقالات هامة لك

آخر 24 ساعة